مقالات
زمن التشويش

زمن التشويش

5
(1)

 

نحن في أغني زمان مر علي الإنسان، انتشرت فيه مصادر المعرفة بغزارة منقطعة النظير، وأصبحت كل المصادر والعلوم والمراجع متاحة للجميع. لقد صارت كل امكانية التنوير متوفرة للكل، ولم يعد ولم يعد هناك شيئاً يسمي حجب المعرفة. أو شخص يقدر أن يحتكر المعرفة. أو آخر يتجرأ أن يفرضها علي الناس. وانتهي زمن احتكار الحق علي فئة معينة. وأصبح كل شخص له الحق في أن يقول رأيه بحرية، وينشره، ويظهر اتجاهه، ويراه العالم كله لو أراد، فبسبب التكنولوجيا، أصبحت المعرفة والأراء متاحة كما لم يحدث من قبل، فأنت الان تجد معرفة الالاف السنين، وأراء الالاف البشر، كلها تحت أقدامك.

كنا نظن أن ما سبق سيجعلنا نري النور، ونميز الحق ونعرفه ليحرر الأنسان، وإذ بنا نجد مزيد من التخبط والتوهان يجتاح الكل.

نجد أننا في اكثر زمان به تشويش مر علي الإنسانية، فمع انتشار مصادر المعرفة، ظهرت اتجاهات لا حصر لها، أديان، فلسفات، مناهج حياة، ثقافات، كلها تحاول بناء حياة الإنسان بطريقتها الخاصة، وكلها تدعي أن ما تقوله هو الحق، وبعد أن كان الحق محتكراً علي فئة معينة قديماً، صار الكل يري نفسه أنه يملك الحق، بمنتهي الاجتراء.

أصبح عندنا مئات الأديان تتكلم عن الله وتدعي أنها تعرفه. وفي وسطها، نجد أن المسيحية وحدها بها الالاف الطوائف، وكل منها ترسم الله بصوة غير الأخرى، وأحياناً عكس الأخرى. بل وفي نفس الطائفة، نجد عشرات التوجهات لمجموعات أو أفراد، كل منها يري نفسه أنه يمتلك الحق المطلق في معرفة الله[1]، واصبح الكتاب المقدس أكثر مكان نتفنن منه أن نشكل الله علي هوانا، ونستلح بترسانة كاملة من معرفة الآيات والشروحات والتفسيرات والتأويلات، لكي يثبت صحة ما يقول، ويجعل كل من يري غير كلامه هو شخص مخطئ.

فانتشرت فيه الصراعات والجدالات التعليمة كما لم يحدث من قبل، وخرجت الردود بين الفرق والطوائف والأديان، كل طرف يحاول أن يبرز صحة ما يتبناه، وينصح السامعين ويحزرهم التوجهات المختلفة معه ويشجب التيارات المضادة له.

وأصبح عندنا فلسفات ومناهج وثقافات في الحياة، تتجنب الصدام مع الله، ومع الدين (إن جاز التعبير)، وتنطلق لترشد الإنسان كيف يحيا، ولعطي الإنسان نظرتها في الحياة، بكلمات معسولة ورنانة، وانصاف حقائق تبدوا مغرية بحق، أو بتحليل رائع للمشاكل الحياتية، لكنه يصير كفخ يعمي من يستقبله، لكيلا يري أن الحل خاطئ.

ويضاف لذلك، الالحاد الذي ينكر وجود الله بشراسة وعنف، بصورة علمية كانت، أو بصورة وجودية،

نحن في زمان لو سألت فيه: “من هو الله؟” لوصلك كل الإجابات التي يمكن أن تخيلها أو لا تتخيلها. ولو سألت: “من هو الإنسان؟” لن تجد إجابة، لأن الإنسان أصل كينونته في الله، وحين يتشوه الله، يضيع الإنسان

أثمر كل هذا التشويش والتهيان، عن أرقاماً قياسية في معدلات الاكتئاب والأمراض النفسية، وأنتشر الحزن والفشل والإحباط من الحياة، وتفشي فشل العلاقات والاحساس بالرفض وانعدام الحب، ليقف كل هذا كشهادة مثبته أن هناك أمر ما خاطئ.

ووسط كل هذا وقف الله حزيناً، صامتاً أمام كل هذه الادعاءات، لأنه يعرف أنه لو تكلم بمن هو علانية، لن يسمع أحد، فالكل يسير وراء أفكاره باندفاع[2]. ولا يسمع إلا لنفسه.

وسط كل تلك الضوضاء والتي سيتوه فيها صوته كما تاه في العصور السالفة، وقف الله حزيناً، مضطر أن يتحين الفرصة في حياة كل شخص ليهمس بمن هو. ويدعوا الناس لكي يعرفوه معرفه حقة، لكي يشفوا من كل أسقامهم الكثيرة، وأتعابهم. ويرجعوا إلي حضنه.

اضطرار الله هذا هو بسبب قساوة قلوبنا، فهو يتحين الفرصة التي تنخفض فيها الضوضاء، وينتظر اللحظات التي تتضع فيها النفس، وينزل حاجز الكبرياء والتمحور الشديد حول الذات، وتزول القساوة ولو لدقائق أو حتي لحظات، فيتكلم فها راجياً أن يقبل الإنسان الكلمة، وتتحول لحياة وتأتي بثمر كثير.

وحينها، يستطيع الإنسان أن يميز صوت الله، من كل الأصوات المزيفة، يراه عالياً، واضحاً، قوته لا تقارن بكل ما سمعه من قبل. فتستنير حياته ويعاين النور في زمان التشويش.

إن سمعته صوته، فلا تقسوا قلوبكم (عبرانيين 3: 8)
————————————————————————————————————————–
[1] كُلُّ طُرُقِ الإنسانِ مُستَقيمَةٌ في عَينَيهِ، والرَّبُّ وازِنُ القُلوبِ. (أمثال 21: 2)
[2] بَسَطْتُ يَدَيَّ طُولَ النَّهَارِ إِلَى شَعْبٍ مُتَمَرِّدٍ سَائِرٍ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ صَالِحٍ وَرَاءَ أَفْكَارِهِ. (سفر اشعياء 65: 2)

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 1

No votes so far! Be the first to rate this post.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *